السيد علي عاشور
140
موسوعة أهل البيت ( ع )
فقال له الحر : واللّه ما أعلم هذه الكتب ، ولا الرسل وأنا فما يمكنني الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا ، فخذ طريقا غير هذا وارجع فيه حيث شئت ، لأكتب إلى ابن زياد أنّ الحسين خالفني فلم أقدر عليه ، وأنشدك اللّه في نفسك . فسلك الحسين طريقا آخر راجعا إلى جهة الحجاز غير الجادة ، وسار وأصحابه طول ليلتهم فلما أصبح الحسين عليه السّلام وإذا قد ظهر الحر وجيشه فقال له الحسين عليه السّلام : ( ما وراءك يا بن يزيد ؟ ) . فقال : وافاني كتاب ابن زياد يؤنبني في أمرك وقد سيّر من هو معي ، وهو عين عليّ ولا سبيل إلى مفارقتك أو نقدم بك عليه . وطال الكلام بينهما فرحل الحسين عليه السّلام وأهله وأصحابه ونزلوا كربلاء يوم الأربعاء أو الخميس على ما قيل الثاني من المحرم . فقال عليه السّلام : ( هذه كربلاء موضع كرب وبلاء ، هذا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا ، ومقتل رجالنا ) . فنزل القوم وحطوا الأثقال ، ونزل الحر بجيشه قبالة الحسين عليه السّلام ، ثم كتب إلى عبيد اللّه بنزول الحسين بأرض كربلاء ، فكتب عبيد اللّه كتابا إلى الحسين عليه السّلام : أما بعد ، فقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب إليّ يزيد بن معاوية أن لا أتوسد الوثير ، ولا أشبع من الخمير ، حتى ألحقك باللطيف الخبير ، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية والسلام . فلمّا ورد الكتاب على الحسين عليه السّلام وقرأه ألقاه من يده ، وقال للرسول : ( ما له عندي جواب ) . فرجع الرسول فأخبر ابن زياد فاشتد غضبه ، وجمع الناس وجهّز العساكر وسيّر مقدمها عمر بن سعد - وكان قد ولّاه الري وأعمالها وكتب له بها - فاستعفى من خروجه معه إلى قتال الحسين . فقال له ابن زياد : إمّا أن تخرج وإمّا تعيد إلينا كتابنا بتوليتك الري وأعمالها وتقعد في بيتك . فاختار ولاية الري ، وطلع إلى قتال الحسين عليه السّلام بالعسكر ، فما زال عبيد اللّه يجهّز مقدما ومعه طائفة من الناس إلى أن اجتمع عند عمر بن سعد اثنان وعشرون ألفا ما بين فارس وراجل . وأول من خرج إلى عمر بن سعد الشمر بن ذي الجوشن السكوني في أربعة آلاف فارس ، ثم زحفت خيل عمر بن سعد حتى نزلوا شاطىء الفرات ، وحالوا بين الماء وبين الحسين وأصحابه ، ثم كتب عبيد اللّه كتابا إلى عمر بن سعد يحثه على مناجزة الحسين عليه السّلام ، فعندها ضيّق الأمر عليهم ، وإشتدّ بهم العطش ، فقال إنسان من أصحاب الحسين عليه السّلام يقال له يزيد بن حصين الهمداني - وكان زاهدا - للحسين عليه السّلام : إئذن لي يا بن رسول اللّه لآتي إلى ابن سعد فأكلمه في أمر الماء عساه يرتدع . فقال له عليه السّلام : ( ذلك إليك ) . فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد فدخل عليه ولم يسلّم .